الصالحي الشامي

49

سبل الهدى والرشاد

يخافون كرة العدو ، وسعد بن معاذ رضي الله عنه قائم على باب العريش متوشح بالسيف . وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي عن الزهري : " اللهم اكفني نوفل بن خويلد " ( 1 ) ، فأسره جبار بن صخر ، ولقيه علي فقتله ، وقتل علي أيضا العاص بن سعيد ، ثم قال : من له علم بنوفل ؟ فقال علي : أنا قتلته ، فقال : " الحمد لله الذي أجاب دعوتي منه " . وقال النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ - فيما ذكر ابن إسحاق - لبعض أصحابه : " إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها ، لا حاجة لهم بقتالنا . فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ، ومن لقي أبا البختري فلا يقتله " - وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله لأنه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شئ يكرهه ، وكان ممن قام في نقض الصحيفة - " ومن لقي منكم العباس بن عبد المطلب فلا يقتله ، فإنما خرج مكرها " ، فقال أبو حذيفة رضي الله عنه : " أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا ، ونترك العباس ، والله لئن لقيته لألجمنه السيف " ، فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر بن الخطاب : " يا أبا حفص ، أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف ؟ ! " . فقال عمر : " يا رسول الله دعني فلاضرب عنقه بالسيف - يعني أبا حذيفة رضي الله عنه - فوالله لقد نافق " . فكان أبو حذيفة يقول : " ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلتها يومئذ ولا أزال خائفا منها ، إلا أن تكفرها عني الشهادة " . فقتل يوم اليمامة شهيدا ، قال عمر : " والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي حفص " ( 2 ) . ولقي المجذر بن زياد البلوي أبا البختري . فقال له : " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك " ، ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة وهو جنادة بن مليحة ، وقال : وزميلي ؟ فقال له المجذر : لا والله ما نحن بتاركي زميلك ، ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك ، قال : لا والله إذا لأموتن أنا وهو جميعا ، لا تحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة ، فقال أبو البختري حين نازله المجذر وأبي إلا القتال : لن يسلم ابن حرة زميله * حتى يموت أو يرى سبيله فاقتتلا فقتله المجذر ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فأتيك به فأبى إلا أن يقاتلني فقتلته . قال ابن عقبة : ويزعم ناس أن أبا اليسر قتل أبا البختري ، ويأتي عظم الناس إلا أن المجذر هو الذي قتله ، بل الذي قتله غير شك أبو داود المازني وسلبه سيفه وكان عند بنيه حتى باعه بعضهم من بعض ولد أبي البختري .

--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في الدلائل 2 / 367 . ( 2 ) انظر البداية والنهاية 3 / 284 وأخرجه البيهقي في الدلائل بنحوه 3 / 140 .